غادة عبد العال: سلامٌ على الصحة النفسية!
Episode 2 min 59s

غادة عبد العال: سلامٌ على الصحة النفسية!

From برامج مونت كارلو الدولية / MCD

زمان، مجرد إشاعة إنك بتروح لدكتور نفسي كانت كافية عشان تفتح لك ملف في محكمة الناس.

ممكن تستبعدك من شغل، تبعد عنك أصدقاء ومعارف، وتخلي الناس تتعامل معاك كعبء عايزين يخلصوا منه بسرعة، أو كقنبلة الكل مستني انفجارها.

والوصمة ما كانتش بتقف عند صاحبها. ممكن تعطل جواز بنت في العيلة، لأن «عندهم جنان وراثي»، تخليهم منبوذين اجتماعيا ومستبعدين من المناسبات، لحسن يطلعوا علينا الجنونة، أو تخلي الدموع تتجمع في عيون اللي بيجيبوا سيرتهم، لأنهم خلاص عيلة مبتلاة!

ثم نصل إلى عام ٢٠٢٦، فنجد، في بعض دوائرنا على الأقل، مشهد مختلف تمامًا. أصبح لكل واحد فينا تشخيص، بيقدم بيه نفسه للناس: أنا حسام، بايبولار. أنا نجلاء، بوردَرلاين.

وفي بعض قعدات الستات، أرقام الثيرابيستس بيتم تبادلها بالحماس نفسه اللي كانت بتتبادل بيه أرقام الكوافير والخياطة. وبمجرد ما واحدة تعلن إن أعصابها تعبانة شوية ، واحدة تانية من الشلة تبدأ في سؤالها عن تفضيلاتها: عايزة دكتور والا معالج؟، راجل والا ست؟ أونلاين والا وجها لوجه. أصل معروف إن دكاترة النفسية زي الفاكهة، كل واحد وله فيهم مزاج.

بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، اللي وافق العاشر من أكتوبر، يستحق هذا التحول اننا نتوقف عنده. لأننا فعلا قطعنا مسافة مهمة، حتى لو لم تصل الطمأنينة نفسها إلى كل نفس .

لكن يبدو إننا، من فرط الحماس للقاموس الجديد، قررنا نشخّص نفسنا وكل اللي حوالينا وبقى كل واحد فينا ماشي بيافطة فوق دماغه بتشخيصه الخاص.

كل أم مرهقة بقى عندها اكتئاب ما بعد الولادة، وكل راجل أناني بقى نرجسي، وكل طفل شقي بقى عنده ADHD. وكل بنت فسخت خطوبتها بقت عايشة في ظل كلمة «تروما»، وكل قمصة بقت صمت عقابي، وكل خناقة بقت صراع قوى.

طبعًا اكتئاب ما بعد الولادة حقيقي، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه حقيقي، والصدمات النفسية والإيذاء والصراعات حقيقيين. وكم من أشخاص عانوا طويلًا لأن المحيطين بيهم اعتبروا معاناتهم دلع. لكن الاعتراف بوجود الحالات دي يحتاج برضه إلى الدقة في تسميتها.

وعلى الرغم من إني قادرة أفهم الراحة اللي قد يشعر بيها شخص وجد أخيرًا اسم للي بيتعبه.. وأفهم رغبته في إعلان ما كان يخجل منه، كأنه بيسترد حقه في الكلام.

إنما هل ينبغي للإسم ده؟ أن يصبح بطاقة التعارف الأساسية ليه؟ هل أعرف نجلاء، والا باشوف كل اللي بتعمله باعتباره عرض من أعراض تشخيصها؟ وهل ممكن لحسام انه يمر بيوم سيئ عادي، من غير ما يتحول اليوم إلى جلسة تحليل جماعية؟

المفارقة إننا بالشكل ده بنرجع، من طريق مختلف، إلى العادة القديمة نفسها: تفسير الإنسان كله في ضوء مرضه النفسي. زمان كنا بنختزله في تشخيصه عشان نستبعده. ودلوقتي ممكن نختزله فيه واحنا بنتصور أننا بنتفهمه. يختفي ذوقه، وخفة دمه، وتاريخه، وطموحه، وتبقى الكلمة الأجنبية اللي الجميع حفظها واللي حصروه داخل أسوارها من غير حتى ما يبقى عندهم ما يكفي من الفضول عشان يسألوه عن باقي حكايته ويعرفوه بشكل حقيقي بعيدا عن فوضى المصطلحات.

Community discussion