من يستفيد سياسيا من تحركات طلاب المعاهد في فرنسا؟
تزايد خلال الأسبوع الماضي زخم تحركات طلاب المعاهد الفرنسية سواء في الشارع عبر المشاركة في مظاهرات ضخمة، خاصة في العاصمة باريس، أو من خلال انضمام النقابات وكذلك العديد من الجمعيات إلى التحرك الاحتجاجي
لقد فرض هذا الحراك نفسه بوصفه الحدث السياسي والاجتماعي الأهم على الصعيد الفرنسي مهيمنا بذلك حتى على بداية المنافسة السياسية بين المترشحين للانتخابات الرئاسية المنتظرة في السنة المقبلة. لكن رغم وضوح مطالب المحتجين وارتباطها بظروف الدراسة والتعليم، فإن ذلك لم يمنع تجاوز التحركات الحدود المطلبية المباشرة لتدخل في ثنايا السياق السياسي التنافسي بين الأحزاب وتطرح السؤال حول مدى استفادة هذا الطرف أو ذاك منها.
تقدم لنا طبيعة الاحتجاج وخلفياته جزءًا من الإجابة. فهي تحيل على واقع موضوعي من النقص في الإمكانيات المالية للمدارس وفي عدد المدرسين بالإضافة إلى حالات الاكتظاظ داخل الفصول. وهي مشكلة مزمنة في التعليم الفرنسي زاد من وقعها سياق عام من الخوف من المستقبل لدى الطلاب بسبب فقدان التعليم لدوره كمصعد اجتماعي بالإضافة إلى السياق السياسي الراهن المرتبط بالنقاش حول ميزانية سنة 2027 وما ورد فيها من تقشف كبير. نحن هنا إزاء سياق احتجاجي اجتماعي طلابي قد يستفيد منه نظريا اليسار الراديكالي المتمثل في حزب فرنسا الأبية بقيادة جون لوك ميلونشون خاصة أن حضوره كان واضحا في التحركات. غير أن الربط بين الاحتجاج الاجتماعي والاستفادة اليسارية الممكنة انتخابيا ليس آليا ويجب تنسيبه.
فالحراك الاحتجاجي قوي من حيث بعده المجتمعي وهو يمس قطاعا حيويا يهم كل الأسر الفرنسية، لكنه في الوقت نفسه احتجاج ضد طرف ضعيف هو السلطة التنفيذية بشقيها: الرئاسة والحكومة. فالرئيس ماكرون انتهى سياسيا لأنه سيغادر قصر الإليزيه على إثر الانتخابات المقبلة كما تراجع حزبه وتشتتت قياداته. أما الحكومة فتهيمن عليها صورة التكنوقراط أكثر من كونها حكومة سياسية. ربما لذلك لن يستفيد حزب فرنسا الأبية كثيرا من مواجهة سلطة تنفيذية ضعيفة رغم الحضور القوي لخطابه في التحركات.
في المقابل، وبشكل مفارق، قد تستفيد زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان انتخابيا من حركة الاحتجاج الطلابي بالرغم من العاصفة الإعلامية التي أضعفت ساعدها الأيمن جوردان بارديلا بعد الكشف عن تصريحات عنصرية منسوبة إليه. فخطابها هي أيضا خطاب معارض لماكرون وسياسته وهي تساند مطالب الطلاب بالرغم من تركيزها على مظاهر العنف التي ترى أنها استهدفت قوات الأمن. هي تراهن على صورة الاعتدال التي قد تبعث نوعا من الطمأنة خاصة لدى جزء من الطبقة الوسطى التي لا تصوت عادة لصالح اليمين المتطرف.









Community discussion